الأحد، 23 سبتمبر 2012

قصة قصيرة / مت قاعدا

غادر المقهى ورجلاه لاتقويان على حمل ذلك الجسد المثقل بهموم الكون .عينان غائرتان في محجرين ضبابيين ،وشفة تيبست على حر آهٍ انطلقت بقافلة تغذُّ السير حتى آخر محطات العمر .لايدري كم من الوقت مضى منذ استلامه ذلك الطرد الجهنمي ،وكان يحسبه هدية العمر
مضى عبر طريق طويل ،اصطفت على جانبيه ،اشجار الجوز سامقة عملاقة تتحدى عنان السماء .رفع بصره الى اعالي الاشجار فاستدار الكون وسحبه ليأخذه معه في دورة تحدّ تلاشى فيها العمر ،حتى وجد نفسه اخيرا بعد الاستدارة يهبط من أعلى ليتلقى الارض بصدر بارد .كان ذلك يوم الخميس يوم وصله المظروف القاهر وفيه قرار بالاحالة الى قيد الفناء ... شرارة ملتهبة تكوي قرارته ،هل للموت هو الآخر دعوات الى محتفليه ؟وتصبب العرق من جبين تغضَّن بتفاصيل السنين المعجونة ببلوى صك القدر ..فتجمد صدره بصقيع مابعد الموت .
الثلج في الخارج يتناسل، لا احد سوى تلك الاشجار السامقة التي شهدت أحداث السنين وهي تخط سطورها على حياة العابرين ،موت وحياة هكذا تردد في غور نفسه .ثمة شجرة غادرتها الحياة لكن جذعها بقي علامة حياة فعلى صدره نقشٌ أرَّخَ عليه الحبيبان اقترانهما فولدت الحياة .
ادخل يده في جيبه باحثا عن شيئ لم يتبينه هو نفسه بل لم يدر سراحتياجه اليه الان لكنه بقي باحثا .. اوه ، انه ذلك المظروف اللعين الذي بات خاصرة وجع تؤسس لحفر حِجرٍ مظلم ستُزج فيه حياةُ واحد وستين عاما من العرق المنسرب تحت وطأة صيف يصهر الاكوان فتضيع استدارتها بانصهار اشكال عشوائية
كان شابا حين ولج ذات يوم حمى الالم الابدي ،تلك الدائرة المشؤمة ليعين فيها محاسبا بأجر زهيد لم يكن يبتغي العمل الا لكي يجد ملاذا من ثقل اسرة تعج بضوضاء اربعة عشر فردا ،اخوان كبيران لابيه وزوجتاهما واولاد لهما ،أربعة عشر نفس تتكور في قاع جحر مهترئ اكلت دودة الارض منه ما اكلت وما ابقت غير شاخص من اطلال آيل للسقوط باشارة بنان .كان يقف على حافة ألم طويلا ،انطلقت من حنجرته حسرة آه، لولاك أيها القدر .
لم تستقر يده الباحثة في قعر جيبه الثاني حتى يمم بها صوب جيبه اليسار وقبل ان يدخل يده اصطدمت للتو بجمرة في ذلك الجيب ،جمرة هتكت عروق تلك السنين وهدت ساعاتها المتناثرة وشك ريح.اخذ الظرف واعاد قراءة محتواه كانت بالقرب حمامة تلوذ بغصن لا اوراق فيه وقد جمدها الصقيع .
مرت لحظات تصبِّر ألجمت صدره عن آهة ،كان اول وجه في ذلك اليوم الذي وضع قدميه فيه في الطريق الى الدائرة ،هو وجه الحبيبة ذات العينين الخضراوين والشعر البني المنسدل على كتفي انثى بحق لهما استدارة الذهول كانت انثى من نوع آخر ، تشير الى الحياة فتأتيها على قدم، كانت مرحة يحبها الجميع ولكنه يلمح ثمة حزن يسكن تلكما العينين حين تعدو عيناه نحوها كان يراها تلوذ بصمت قلق رغم صخب روحها....... يثقل صدره تشوق الى شيئ ما ،رآها مرة صدفة فاستقبلت نظرته بابتسامة طفح بها فوها ، ابتسامة مزجت بسحر مقيم فقد كانت مشحونة بالم وحزن علقت قلبه وغابت .
بعد اسبوع واحد من الدوام وجد نفسه لايستغني عن رؤية تلك الابتسامة المشحونة بالحزن والصمت تضفي الرهبةعليهامن جلبابها ، وكم نازعته نفسه الى البوح وكم صرعه الشوق ،حتى قرر ذات صباح ان يفعلها ، ان يبوح بوحا برؤى اخرى .
خطرت له فكرة ،سيحمل باقة ورد ويقدمها في حضرتها وليكن مايكون، استيقظ صباحه مشتتاً بين أمل غامر ورهبة تسحبه نحو نكوص للحياء والتردد ...كان صباحا متفردا سيرسم شكل الحياة فيما بعد. مضى خارج المنزل وهو يردد في اعماقه لحنا عشق فيه طول الطريق واللهفة نحوها توقف لحظة ليجد حبيبين خرجا مبكرين لاجل ان يخطا على شجرة بلوط -ذات اوراق خضر تزهو- تاريخا لعهدهما وكم تمنى ان يباركهما احس برغبة حقيقية في قرارته بذلك الشعور ،غمرته فرحة وهمَّ ان يفعل لكنه عدل عن ذلك خشي من خذلانه بحيائه المعهود ،ولذا لاذ بظل شجرة وهو يرقب لحظة من اروع ماتسجله الذاكرة اللاهثة نحو حبيب مسكنه الذات رأى نفسه يعانق الحبيب بانزياح لا شعوري وهو يراهما متعانقين عناق الابد ...زجَّه المشهد حقيقة في احضان الجرأة كي يندفع نحو بائع الورد ليبتاع للحبيبة باقة منه ...تفحص الورد واشار الى صاحب المحل ان يعد له باقة مختارة ،اخذ الباقة واستنشقها طويلا غائبا عن وعيه حتى انتبه على صخب حنجرة بائع الورد :
ساغلفها لك سيدي كما تشاء ، هل هي لمريض او لحبيبة ا؟لأخ عاد من سفره ؟،ام هي ياسيدي عربون صلح مع صديق ؟ تساءل في نفسه ما لهذا البائع لايحمل اخلاق الورد ،كم هو لجوج اذ يتلصص على لحظات ينتشلني فيها من احضان الحبيبة ذات العينين الخضراوين ؟دفع اجر الباقة على عجل ليغادر دون اجابة لاي من اسئلة ذلك الثرثار.
كان قلبه يركض في صدره بل كان يجتاز مساحة عرضها كون لاحدود له ،بقي عليه ان يستجمع قواه ليختار كلمات تشفع مؤدية دورها في محراب الحبيبة القى بجسده في قاع السيارة لتقطع ذلك الطريق ،توقفت في آخره ليترجل عنها ويمشي في ممر استطال الان بعامل درامي نفسي كان المسير في هذا الطريق اليوم اشبه شيئ بالمسير بين حقول خضراء وتلال تتحدر من متونها افراح العمر وهي تزيح كل هم بانحداراتها تلك ،
لم تفضِ تلك الانحدارات الا الى ضوضاء وصخب المارين والواقفين هاهنا أِثنان يصمتان وهناك ثمة ثلاثة يتحدثون بلغة مختلفة ،كان الجميع يحتفي (بروح) الحبيبة توقف( كريم ) برهة لأنغماسِ وحيِ ألمٍ انتاب صدره ،همس احدهم لصاحبه :كنت اتمنى ان اقترب منها لاهمس ولو همسة في اذنها الرقيقة وليكن ما يكون واجهش باكيا صفق صاحبه يديه الواحدة بالاخرى وهو يردد:لاحول ولاقوة الابالله العظيم .
للسؤال الف طعم مرٌّ في فمه ،عيناه بلهاوان تتفحصان الوجوه الثكلى ولاتدريان ماذا يريد ، لم يسأل لكنَّ أبا ارادة (الحارس) تقدَّم معزِّيا :البقاء في حياتك سيد كريم
لقد أفل اليوم قمر الدائرة في بطن حوت لم تشبعه قوافل الذين ابتلعهم من عهد ابينا آدم الى اليوم كان الرجل ساخطا على قدر خطف زهرة شباب (بدور ).قمر الدائرة
توفيت الانسة بدور كانت صرخة تغتال آخر افراح العمر هوى كريم متهالكا على اثرها وكان الورد مختنقا ، فمالت قامته وقد طوحها الاسى لائذا بحائط قريب خشية افتضاح البوح المذبوح كان الحارس منتبها على نحو ما فركض مسرعا نحو ه وقاده الى مكتبه ليجلسه على كرسيه وخرج مسرعا وعاد بكأس ماء .وضع الكاس على الطاولة وسمح لنفسه ان يجالسه فانساب الحديث من بين شدقيه صراخات تذبح صمت القبور :كانت وردتنا تراها تضحك وتمرح وهي تخفي في صدرها قلبا عليلا مسكينة عمرها لم يتجاوز التاسعة عشرة سنة ويلاه على شبابها المهدور في الحفر ،كانت ياسيدي مصابة بفتحة فؤادية وتعاني دوما من آلام في صدرها لكنَّ مرحَها ......
سُرقّتْ انتباهةُ كريم بألم التعليل اذن كانت تخشى عليَّ يوما كهذا ....رباه .....واحتدم حزن الدنيا ليتعرش كل خلية في دماغه وسحبته الذكرى لتسكنه قاع الالم ...اعتصر الالم ذلك الصدر المثقل بآهات الستين سنة وواحدة ...التفت الى آنة حنين ندَّتْ عن الحمامة اللائذة على غصن الشجرة المتعرية من اوراقها بهبة ريح :صاحِ هذي قبورنا تملا الرحب
كان مهتما بالمراثي هو يجهل حقا كيف انسربت تلك السنين من حساب الزمن لتحط على نهاية ورقة بيضاء ؟!
غمرالثلج المكان حتى غطى معالم كل شيئ سقط شيئ بالقرب ،وعاجلا صفف صك الرحيل واعاده الى جيبه ومضى
حميدة العسكري/شتاء 88_____________ البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق